
ولا يمكن وصف التحديات التي تواجه القطاع إلا بالمخيفة، فمع استمرار إقفال الحدود وارتفاع أكلاف التصدير التي تضاف إلى كلفة إنتاج مرتفعة مقارنة بمثيلاتها في البلدان المجاورة ودول الشرق الأوسط ككل وحتى الدول الأوروبية. وفي ظل استمرار غياب دعم حقيقي وفعلي للقطاع، وفي وقت تغرق فيه الأسواق اللبنانية بالمنتجات المستوردة، تتضاعف تعتبر الصناعات الغذائية من أكثر القطاعات الصناعية اللبنانية ازدهاراً ورواجاً، إذ حملت على مر السنوات اسم "لبنان" إلى معظم أصقاع العالم ونجحت في تكريس اسم مطبخه عالمياً لما تتمتع به من مستويات جودة عالية ولحرصها الدائم على مواكبة أبرز التطورات العالمية في المجال الصناعي الغذائي ولا سيما على صعيد التعبئة والتغليف.
في الواقع، إنها شمعة الصناعة التي أضاءتها الجاليات اللبنانية في دول الاغتراب، ففي ظل ضيق السوق في لبنان حققت المنتجات اللبنانية أسواقاً خارجية من خلال الجاليات اللبنانية التي تمثل أكبر شريحة من المستهلكين للمنتجات الصناعية الغذائية بالإضافة إلى الجاليات الشرق أوسطية المرتبطة بالمطبخ اللبناني.
وتملك الصناعات الغذائية اللبنانية امتيازات عدّة تخولها المنافسة في الأسواق الخارجية على الرغم من ارتفاع أسعارها، إذ إن الجالية اللبنانية الموجودة في الخارج تشتري المنتج لسببين: الأول مرتبط بالحنين والارتباط بالوطن، والثاني يتعلق بالجودة. إضافة إلى ذلك، هناك أمور إضافية تساهم في استمرارية هذه الصناعة، وأهمها النكهة التقليدية اللبنانية التي يدخلها المطبخ اللبناني في صناعة المواد الغذائية، حيث يتم نقل طابع المطبخ اللبناني القديم والعريق بطريقة علمية محفوظة تضمن مدة صلاحياته ووصوله إلى المستهلك بالنكهة نفسها .
و ما يميّز المنتج الغذائي اللبناني أيضاً هو ارتباط موسمية الإنتاج مع الموقع الجغرافي المميز للبنان ومناخه الذي يثمر إنتاجاً زراعياً عالي الجودة، الأمر الذي يعطي قدرات تنافسية كبيرة للمنتج الغذائي من حيث الجودة.
وساهم ارتباط هذين العاملين (المطبخ اللبناني والمواد الأولية) في تقديم منتج لبناني عالي الجودة يحمل شعار "صنع في لبنان" الذي ميّز الصناعة اللبنانية، بعد أن أصبح حكراً على المصانع اللبنانية ما أعطى صورة جميلة جداً للصناعة، ليصبح هذا الشعار ذا قيمة اقتصادية كبيرة للصناعيين.
ولا يزال قطاع الصناعات الغذائية جاذباً للاستثمارات، على الرغم من ارتفاع كلفة الإنتاج نظراً إلى إرتفاع كلفة الإنتاج الزراعي في لبنان إلى حد كبير مقارنة بكلفة الإنتاج في الدول الزراعية الصناعية المنتجة للصناعات الغذائية كأستراليا وكندا وتركيا.
وتعود جاذبية القطاع للمستثمرين الى الميزات التنافسية المهمة التي يتمتع بها ومنها توفّر اليد العاملة المتخصّصة ذات الكلفة المنخفضة، وجود روابط وثيقة مع قطاع زراعي قوي ومتنوّع، ووجود دعم مؤسساتي من الحكومة ويتجلّى عبر توفّر مؤسسات للاختبار والبحث والتطوير (بما في ذلك 3 مختبرات) ومدرسة مهنية متخصّصة في الصناعات الغذائية، إضافة إلى شهرة المطبخ اللبناني عالميًّا.
كما أنه قطاع مهم على الصعيد الصناعي، وتكمن أهميته في كونه أحد الصناعات التحويلية التقليدية التي تهدف إلى تحويل المنتجات الزراعية اللبنانية المنشأ والأصل، إلى منتج طويل الأجل للاستفادة من الموسمية الزراعية وتشجيع المزارعين لتوفير منتوجات تصلح للحفظ في عبوات بهدف التصدير.
غياب ثقافة الاستهلاك
ويبقى مستغرباً، أنه على الرغم من تمتع المنتجات اللبنانية بمستوجات جودة عالية تضاهي أهم المعايير الأوروبية والعالمية، وعلى الرغم من إنتاجية المصانع المرتفعة، استيراد لبنان كميات هائلة من منتجات هذه الصناعة نظراً إلى غياب ثقافة الاستهلاك المحلي عن اللبنانيين. فالمصانع التي تقدم مئات الأصناف تعتمد بشكل أساسي على الأسواق الخارجية لتصريف إنتاجها. وبناء عليه، يبرز دور كبير للبنانيين تحديداً في الحفاظ على تقدم القطاع واستمراريته، ويسلط الضوء على تقصير الحكومات المتعاقبة في تعزيز ثقافة استهلاك المنتجات الوطنية لدى شعبها الذي يفترض أن يكون أول الداعمين لقطاعه الصناعي الذي يوفّر له آلاف فرص العمل، ويتمتع بدور فاعل على صعيد تحسين الواقع الاقتصادي.
وفي عام 2017، استورد لبنان منتجات غذائية بقيمة 1,855 مليون دولار من مختلف الأصناف. وتأتي تركيا في طليعة الدول المصدرة إلى لبنان للمواد الغذائية، إذ صدرت إلى لبنان في عام 2017 بقيمة 120 مليون دولار، تلتها فرنسا (106 ملايين دولار)، والمانيا (80 مليون دولار) ومن ثم مصر (69 مليون دولار).
لا خيار الا الصمود
معاناة الصناعات الغذائية، ليبرز التحدي الأقوى الذي لا بد لمن أسعفه ذكاؤه في الانطلاق نحو العالمية في أحلك الظروف كسبه، ولا بد لمن أضاء شمعة القطاع من منع إطفائها عبر تغذية روح التحدي في داخلة، تلك الروح التي تمكنه من مواجهة الصعاب وتثبيت قدميه في الأسواق وتعطيه الشجاعة لخوض أي معركة تنافسية وربحها. فمن الضروري أن يفهم الصناعيون الأسواق المحيطة بهم وكيفية التعامل معها لكي يتمكنوا من تكييف أنفسهم والمحافظة على وجودهم. فليس هناك خيار إلا الصمود، ليس أمام الصناعي سبيل للخلاص إلا العمل لإيجاد مخارج تضمن استمراره، فصناعته جعلته متجذراً في وطنه، ثابتاً فيه.
ليبقى النداء الأخير لمن يسمع: الصناعات الغذائية .. شمعة القطاع المضيئة. لا تطفئوها!