
تشكل ازمة الدين العام احد ابرز العوامل التي تبقي الإقتصاد اللبناني في دائرة الخطر وترسخ دوره في المنطقة كمنصة لتصدير العقول، فهي ازمة مزمنة ومتراكمة ومقلقة، ازدادت حدّتها في السنوات الماضية نتيجة الارتفاع الكبير لعجز المالية العامة وتباطؤ نمو الناتج المحلي.
نعم، ناقوس الخطر يدق، كيف لا ولا حل في الأفق لأزمة الدين العام حتى هذه اللحظة، على رغم انه تجاوز في نيسان الماضي ، حاجز الـ77 مليار دولار بنسبة ارتفاع بنحو 5.5 مليار دولار، بمقارنة سنوية، وهو مرشح بشكل مطّرد ليقترب من نحو 110 مليارات دولار في السنوات الخمس القادمة.
وكان الدين العام قد تضخم بمعدلات مرتفعة في الثلاث عقود الماضية، فزاد من 50,8% من الناتج المحلي القائم في 1993 إلى نحو 184% في 2006، و142% في العام 2016. وترافق مع فوائد باهظة استنزفت الإيرادات الحكومية والواردات الضريبية، وشكلت حصة مهمة من مجموع النفقات.
وشدد مدير المركز الإستشاري للدراسات والتوثيق د. عبد الحليم فضل الله على ان"الدين العام لم يكن قدراً مفروضاً، أو نتيجة تلقائية للحرب الأهلية اللبنانية وما تلاها من استحقاقات وأزمات، بل هو نتيجة سياسات مقصودة لم يكن هدفها الأول إعادة الاعمار الذي لم تزد تكاليفه على 8% من مجموع النفقات منذ بداية التسعينيات حتى الآن، وقد تصل إلى 10% إذا أضفنا كلفة حرب تموز الممول معظمها بالهبات". واعتبر "إنّ تضخم الدين كان وسيلة من وسائل إعادة إنتاج النظامين الاقتصادي والسياسي على أسس لا تختلف كثيراً عما كانت عليه قبل الحرب، لكن المحصلة هي نظام غير مستقر وأزمات اقتصادية واجتماعية حادة، لا نزال ندفع تكاليفها حتى الآن، وربما ينتظرنا المزيد".
في الواقع، ظاهرة الدين العام ليست قديمة بل تعود الى ما يقارب الـ25 عاماً من تاريخ لبنان، فبعد ان كان الدين الحكومي صفراً عند اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، وما يعادل 3 مليارات دولار في آخر عام 1992، تحوّل لبنان بعدها على مر السنوات الى اكثر البلدان مديونية في العالم.
وتعود اسباب النمو الدراماتيكي للدين العام الى عدة فرضيات تأخذ بعين الإعتبار اعتماد الاقتصاد على الأموال الخارجية أكثر من اعتماده على النشاط الاقتصادي الداخلي، ما أضعف قدرة الحكومات على التحكم بنتائج سياساتها، وقلل في أكثر الأحيان من فاعلية الإجراءات التي تتخذها. كما ان عدم جدية الخطط المعلنة أو عدم المبالاة بتنفيذها أصلاً، والاتكال المضمر على الثقة الخارجية المشتراة بأموال الخزينة، أوقع المالية العامة في فخ المبالغات، وأوجد فجوة دائمة بين الآمال والوقائع، كما وجه الاهتمام بالنتائج القريبة والمباشرة للبرامج الحكومية وإجراءاتها، دون آثارها البعيدة أو غير المباشرة.
وفقاَ لفضل الله، تحرك الدين العام صعوداً في سنوات منذ العام 1992، متأثراً بثلاث ديناميات، سرعت نموه، وشكّلت روافع قوية له، وانتهى بها المطاف إلى جعل الاقتراض أساس الحركة الاقتصادية والمالية في البلد بسبب تضارب وتناقض مساراتها ومفاعيلها. واستمدت تلك الديناميات قوّتها من اتجاهات ورؤيات وسياسات يمكن جمعها في ثلاثة محفزات هي المحفّز السياسي الذي عوّل على السلام الإقليمي وقيام سوق شرق اوسطية وتمويل الإنفاق اللازم لتأهيل لبنان لمواكبة هذه التغيرات، المحفّز الإقتصادي حيث قامت الدينامية الإقتصادية لمرحلة ما بعد الحرب على زيادة الجاذبية للأموال لا على زيادة الإنتاجية وبالتالي لم يهتم صانعو القرار بتعبئة المدخرات المحلية وفضلوا الإعتماد على الديون العامة المموّلة بأموال آتية من الخارج، والمحفّز النقدي الذي تجلّى بسعي الدولة الرئيس للحصول على مزيد من الأموال الخارجية عبر التثبيت النقدي، تعقيم السيولة، زيادة معدلات الفائدة، والثنائية النقدية الأمر الذي تطلب تطبيق توجهات لم تنسجم مع احتياجات التوازن المالي والإنتعاش الإقتصادي.
آثار الدين
ويحمل الدين العام مخاطر اقتصادية ومالية واجتماعية، وهو يؤثر على النمو الإقتصادي وعلى الحركة الإستثمارية، ويحد من تقديمات الدولة الإجتماعية ومساهمتها الإستثمارية، كما انه يدهور المالية العامة ويتسبّب بزعزعة ثقة الأسواق المالية العامة، ويدفع وكالات التصنيف العالمية الى تقليص تصنيفها الإئتماني للدولة وللقطاع المصرفي اللبناني بإعتباره المموّل الرئيسي للديون السياديّة، اضافة الى انه يرفع معدلات الفوائد على اقتراض القطاعين العام والخاص، ويهدّد الاستقرار النقدي في المدى المتوسط.
ولفت فضل الله في هذا الإطار، الى ان "خدمة الدين شكلت على مر سنوات طويلة، مانعاً امام زيادة الإنفاق على الإستثمارات العمومية من الموازنة العامة، او على الأقل تنفيذ البرامج المقررة او المخطط تنفيذها على ذلك الصعيد". وشرح انه "على مدى السنوات الماضية، كان منحى الإنفاق الإستثماري تراجعياً في مسار معاكس لنمو خدمة الدين". وكشف انه "في الأعوام 1993 ــ2001، أنفقت الحكومة دولاراً واحداً على الاستثمارات العامة مقابل 3 دولارات على خدمة الدين، ثم انخفضت النسبة إلى واحد لثمانية في الأعوام ــ 2010، و1 لـ10 في الأعوام 2006 ــ 2010 ".
كما اشار الى ان "اعباء الدين العام قللت من قدرة الدولة على تحقيق غاياتها على الصعيدين الإنمائي والإجتماعي، فلم يتجاوز مستوى تحقيق الأهداف في مجالي الخدمات الإجتماعية، والبنية التحتية الإجتماعية، الـ22% و 13% في سنوات عدة، الأمر الذي انعكس سلباً على المساواة في توزيع المداخيل وتحقيق الإنماء المتوازن". وشدد على "وجود علاقة طردية بين زيادة الدين العام وزيادة مديونية الأسر".
معالجة ضرورية
على الرغم ان حجم الدين العام يدق ناقوس الخطر بضرورة المعالجة السريعة، الا انه لا يتم التعامل معه من هذا المنطلق. فالفساد والهدر على حالهما وكذلك العجز في مؤسسة كهرباء لبنان، ومع اقرار سلسلة الرتب والرواتب وضعف النمو الإقتصادي، سيستمر العجز المالي على حاله وسيتابع حجم الدين مساره التصاعدي. وبناء عليه، تعتبر معالجة أزمة الدين العام من اهم التحديات الإقتصادية التي ستواجه اي حكومة لبنانية. وتقتضي هذه المعالجة زيادة نمو الناتج المحلي الإسمي، خفض الفائدة الفعلية على الدين، الخصخصة، مداخيل النفط والغاز، تحسين الفائض الاولي، زيادة معدلات التضخم، وتحسين ادارة الدين العام.